الشنقيطي

358

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

في هذه الآية الكريمة حجة واضحة على كفار مكة ، لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يبعث إليهم رسولا حتى لبث فيهم عمرا من الزمن . وقدر ذلك أربعون سنة ، فعرفوا صدقه ، وأمانته ، وعدله ، وأنه بعيد كل البعد من أن يكون كاذبا على اللّه تعالى ، وكانوا في الجاهلية يسمونه الأمين ، وقد ألقمهم اللّه حجرا بهذه الحجة في موضع آخر ، وهو قوله : أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ( 69 ) [ المؤمنون : 69 ] ولذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان ، ومن معه من صفاته صلى اللّه عليه وسلم ، قال هرقل لأبي سفيان : هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قال أبو سفيان : فقلت : لا ، وكان أبو سفيان في ذلك الوقت زعيم الكفار ، ورأس المشركين ومع ذلك اعترف بالحق ، والحق ما شهدت به الأعداء . فقال له هرقل : فقد أعرف أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ، ثم يذهب فيكذب على اللّه « 1 » . ا ه . ولذلك وبخهم اللّه تعالى بقوله هنا : أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 16 ) . قوله تعالى : إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ إلى قوله : لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 24 ) [ 24 ] . ضرب اللّه تعالى في هذه الآية الكريمة المثل للدنيا بالنبات الناعم المختلط بعضه ببعض ، وعما قليل ييبس ، ويكون حصيدا يابسا كأنه لم يكن قط ، وضرب لها أيضا المثل المذكور في « الكهف » في قوله : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ إلى قوله : وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ( 45 ) ، وأشار لهذا المثل بقوله في « الزمر » : ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ ( 21 ) [ الزمر : 21 ] ، وقوله في « الحديد » : كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً [ الحديد : 20 ] الآية : تنبيه التشبيه في الآيات المذكورة عند البلاغيين من التشبيه المركب ، لأن وجه الشبه صورة منتزعة من أشياء ، وهو كون كل من المشبه والمشبه به يمكث ما شاء اللّه ، وهو في إقبال وكمال ، ثم عما قليل يضمحل ويزول ، والعلم عند اللّه تعالى : قوله تعالى : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً [ 28 ] الآية : ذكر في هذه الآية الكريمة ، أنه يوم القيامة يجمع الناس جميعا ، والآيات بمثل ذلك كثيرة .

--> ( 1 ) أخرجه عن أبي سفيان البخاري في الجهاد حديث 2941 ، والتفسير حديث 4553 .